في شهر نيسان الفائت، أفادت الشرطة الفرنسية بأن شخصًا وضع مجففة شعر بجانب محطة أرصاد جوية في منطقة ريفية، فرفع قراءات درجات الحرارة بصورة مصطنعة، ثم راهن على منصة إلكترونية على أن الطقس سيكون حارًا وفق تلك القراءات المزيفة، فربح مبالغ طائلة. الحادثة طريفة في ظاهرها، وقد استقطبت اهتمامًا إعلاميًا واسعًا لغرابتها، غير أن ما تطرحه من أسئلة أعمق بكثير من مجرد نكتة عن رجل يغش محطة طقس.
السؤال الحقيقي الذي تفتحه هذه الحادثة هو: لماذا صار ممكنًا أن يراهن أي شخص بمبالغ كبيرة على أحداث قابلة للتلاعب، بشكل مجهول الهوية تمامًا، وعلى منصة تعمل في فضاء رقابي رمادي؟ والأهم من ذلك: إذا كان بالإمكان التلاعب في محطة طقس ريفية فرنسية، فماذا يحدث حين يملك المراهن معلومات سرية عن حرب أو عملية عسكرية أو قرار رئاسي؟ هذا السؤال يقود مباشرةً إلى «بولي ماركت»، المنصة التي تحوّلت في سنوات قليلة من فكرة في أوراق أكاديمية إلى بنية تحتية للمراهنات السياسية الكبرى في العالم.
من الجامعة إلى وول ستريت السياسي
فكرة أسواق التنبؤ ليست وليدة الأمس. طرحها اقتصاديون في ثمانينيات القرن الماضي على أنها أداة لاستخراج ما سُمّي «الحكمة الجمعية» من المعلومات الموزعة بين أفراد كثيرين. المنطق بسيط في صياغته النظرية: إذا راهن الناس بأموالهم الحقيقية على نتيجة معينة، فإن أسعار الرهانات ستعكس احتمالات حقيقية مستقاة من معلومات خاصة يحملها كل مراهن. كلما ارتفع ثمن رهان معين، ارتفع معه احتمال وقوع الحدث المراهَن عليه في نظر السوق. الفكرة في جوهرها تُحوّل المعلومة إلى سلعة، وتجعل السوق المالية مرآةً لما يعرفه الناس ويضمرونه.
أُسست منصة «بولي ماركت» عام 2020 على هذا المنطق، وأتاحت لمستخدميها الرهان على كل شيء، من نتائج الانتخابات وأسعار النفط إلى قرارات الحرب والسلام، باستخدام العملات الرقمية في معاملات مجهولة الهوية مسجلة على سلاسل الكتل (بلوكتشاين). هذا التصميم التقني ليس تفصيلًا ثانويًا؛ فاللامركزية والهوية المجهولة تعنيان عمليًا أن المنصة تعمل خارج الأطر التنظيمية التقليدية التي تحكم الأسواق المالية. في بورصة نيويورك، يُعدّ التداول بمعلومات داخلية جريمة جنائية واضحة تُفضي إلى السجن. في «بولي ماركت»، الأمر ملتبس قانونيًا إلى الحد الذي وصفه مركز «هارفارد للحوكمة المؤسسية» في دراسة نشرها مطلع 2026 بأن صفقات كانت ستُعدّ جرائم واضحة لو جرت في سوق الأوراق المالية تبدو في سوق التنبؤات «رهانات ذكية» في أحسن الأحوال.
في تشرين الثاني 2024، تحوّلت المنصة من أداة هامشية يعرفها المتخصصون إلى ظاهرة إعلامية عالمية، حين تنبّأت بفوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في وقت كانت استطلاعات الرأي التقليدية تُشير إلى سباق متقارب. هذا التنبؤ الدقيق أضفى على المنصة مصداقية واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، وضخّ فيها مستخدمين جددًا وأموالًا ضخمة. في الفترة الممتدة بين كانون الثاني وتشرين الأول 2025، تجاوز حجم التداول على منصات التنبؤ مجتمعةً 27.9 مليار دولار. «بولي ماركت» وحدها وصلت قيمتها التقديرية إلى 9.6 مليار دولار في أوائل 2026، بعد أن ضخّت فيها مجموعة البورصات الدولية (ICE) استثمارًا بلغ ملياري دولار في أواخر 2025، وهو ما يعني أن المنصة التي بدأت فكرةً أكاديمية صارت اليوم بنية مالية ضخمة تتقاطع مع مؤسسات الأسواق التقليدية الكبرى.
عائلة ترامب والمنصة
ثمة بُعد يجعل «بولي ماركت» مختلفة عن أي منصة مراهنات عادية: ارتباطها العضوي بعائلة الرئيس الأميركي. دونالد ترامب جونيور مستشار في «بولي ماركت» ومستشار في منافستها «كالشي» في آنٍ واحد، وهما المنصتان اللتان تهيمنان على هذا السوق الناشئ. صندوق رأس المال الاستثماري 1789 Capital، المرتبط بشبكة ترامب السياسية والمالية، ضخّ استثمارات في «بولي ماركت» قبيل انتخابات 2024، أي في المرحلة التي صارت فيها المنصة سلاحًا إعلاميًا وسياسيًا في يد المعسكر الجمهوري. ووصف رئيس الصندوق أومييد مالك هذا الاستثمار بأنه «رأسمالية وطنية»، وهو توصيف يكشف أن ما يجري يتعدى رهانات ترفيهية في فضاء رقمي.
أنفقت «كالشي» و«بولي ماركت» مجتمعتين ما يقارب مليون دولار على الضغط الحكومي في واشنطن خلال 2025 وحده. هذا الإنفاق ليس معزولًا عن السياق السياسي الأشمل؛ فلجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية (CFTC) المنوط بها تنظيم هذه المنصات يقودها مسؤول أشاد علنًا بأسواق التنبؤ في مقال رأي نشرته «وول ستريت جورنال» ووصفها بأنها «منتجات مثيرة». والإدارة الأميركية رفعت دعاوى قضائية ضد ولايات سعت إلى تنظيم هذه المنصات تحت قوانين مكافحة القمار، من بينها كونيتيكت وأريزونا وإلينوي. في تشرين الثاني 2025، منحت CFTC «بولي ماركت» تصريح تشغيل معدّلًا يتيح لها استقبال مستخدمين أميركيين مباشرةً، بعد أن كانت محظورة من العمل في الولايات المتحدة منذ 2022.
فوق ذلك كله، أعلنت شركة «ترامب ميديا» عن إطلاق منصتها الخاصة للتنبؤات تحت اسم Truth Predict على «تروث سوشيال»، مستفيدةً من شراكة مع ذراع مشتقات مالية مسجل لدى CFTC. الدلالة الرمزية والعملية لهذا الإعلان بالغة الأثر: العائلة الحاكمة صارت تجني أرباحًا من صنع الأحداث السياسية، ومن استشارة المنصات التي تستضيف الرهانات على تلك الأحداث، ومن بناء منصتها الخاصة التي ستنافس في هذا السوق. المعادلة اكتملت بصورة تجعل الفصل بين السلطة السياسية والمصلحة المالية الخاصة أمرًا عسيرًا من الناحية التحليلية.
الرهان على الحرب
في كانون الأول 2025، فُتح حساب جديد على «بولي ماركت» باسم مستعار هو Burdensome-Mix، ووضع رهانًا بنحو 32,500 دولار على احتمال أن يُعتقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل نهاية كانون الثاني 2026. في الثالث من كانون الثاني، اقتحمت قوات خاصة أميركية فنزويلا واعتقلت مادورو وزوجته. بعد ساعات قليلة، جمع ذلك الحساب 436 ألف دولار، أي ما يزيد على 13 ضعف المبلغ الأصلي، ثم غيّر اسمه وصمت نهائيًا. وزارة العدل الأميركية وجّهت لاحقًا تهمة لجندي في القوات الخاصة باسم فان دايك، تزعم أنه استغل معلومات سرية عن العملية العسكرية في فنزويلا للمراهنة على نتيجتها. التهم الموجهة له متعددة تشمل الاحتيال في تداول السلع وسرقة معلومات حكومية غير معلنة وغسيل الأموال.
تكشف هذه القضية عن خلل بنيوي متجذر في المنظومة نفسها: المعلومة العسكرية السرية، التي طُوِّر جهاز أمني ضخم لحمايتها، صارت سلعة قابلة للتحويل إلى ربح مالي فوري عبر منصة مجهولة الهوية. والأخطر من الحادثة نفسها أن القانون لا يعرف كيف يتعامل معها بوضوح؛ فالتهم الموجهة إلى فان دايك تجمع بين أحكام متفرقة لأن المنظومة التشريعية لم تتهيأ بعد لهذا النمط الجديد من استغلال المعلومات.
في شباط 2026، فُتحت ستة حسابات جديدة على «بولي ماركت» في غضون أيام قليلة، وجميعها راهنت على شنّ ضربة أميركية على إيران قبل نهاية الشهر. في الثامن والعشرين من شباط، وقعت الضربات. غادرت الحسابات الستة المنصة مباشرةً، بعد تقاسم 1.2 مليون دولار. لم يُستخدم أي من هذه الحسابات مرة أخرى. تحقيق نشرته «نيويورك تايمز» رصد أن 150 حسابًا وضعت رهانات بإجمالي 855 ألف دولار في اليوم السابق للضربة مباشرةً، في نمط وصفه المحللون بأنه يستحيل تفسيره بالتزامن أو الحظ.
امتد النمط إلى أسواق النفط. في التاسع من آذار 2026، ارتفعت مراكز البيع على النفط بصورة لافتة قبل سبعة وأربعين دقيقة من اتصال ترامب بشبكة «سي بي أس نيوز» وتلميحه إلى أن الحرب مع إيران «انتهت تقريبًا»، فهبط سعر النفط بنسبة 25%. وفي الثالث والعشرين من آذار، ظهر نمط مشابه قبل أربع عشرة دقيقة من نشر ترامب منشورًا على «تروث سوشيال» عن محادثات سلام مع إيران. المحلل نيك فيمان، الرئيس التنفيذي لشركة Bubblemaps المتخصصة في تحليل سلاسل الكتل، وصف هذه الأنماط بأنها «إشارة قوية على نشاط داخلي». متداول واحد على المنصة جمع ما يقارب مليون دولار بمعدل نجاح في الرهانات بلغ 93%، وهو معدل يستحيل تفسيره بالمهارة التحليلية وحدها في بيئة تتسم بهذا القدر من التقلب.
حين سُئل ترامب في المكتب البيضاوي عن هذه الرهانات المشبوهة، أجاب بأنه «غير سعيد بذلك» وأن «العالم مع الأسف صار كازينو»، من دون أن يُلمح إلى أي إجراء رادع أو تحقيق جدي. في الجلسة الصحفية نفسها، مزح نائبه جاي دي فانس بأن وزير الخارجية ماركو روبيو ربما يراهن على «بولي ماركت» بشأن احتمال إقصاء إيران من كأس العالم. هذا التعامل الاستخفافي من أعلى هرم السلطة الأميركية مع قضية يرى فيها مشرّعون من الحزبين خطرًا على الأمن القومي يرسم ملامح البيئة السياسية التي تعمل فيها المنصة.
السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي أطلق مشروع قانون لحظر مراهنة المسؤولين الحكوميين على الأحداث السياسية والعسكرية، ووصف فرص نجاح هذا المشروع بأنها «شبه معدومة» في الكونغرس الحالي. السيناتور جيف ميركلي وصف أسواق التنبؤ بأنها «خطر حقيقي على الديمقراطية ومنفذ مفتوح للاستغلال من قِبل المسؤولين الذين يملكون معلومات داخلية». المحاولات التشريعية موجودة، غير أنها تصطدم بحائط مزدوج: أغلبية جمهورية لا تُبدي حماسًا للتنظيم، وعائلة حاكمة لديها مصلحة مباشرة في إبقاء هذا الفضاء مفتوحًا.
الحرب ورقة رابحة
قال اقتصادي جامعة «فيرجينيا تك» كووك بينغ تسانغ في وصفه للعلاقة بين ترامب وهذه المنصات: «ترامب هو الرجل الذي يجعل السوق ممكنة، فهو غير متوقع للغاية». هذه الجملة تحمل من الدلالة أكثر مما يبدو في ظاهرها؛ فهي تعني أن قيمة هذه المنصات مرتبطة بنيويًا ببيئة انعدام اليقين السياسي الذي تنتجه الإدارة الأميركية الحالية. يُنتج الغموض الاستراتيجي الذي يمارسه ترامب في قراراته أثرين متلازمين: سياسة خارجية تُبنى على اللايقين، وبيئة استثمارية مثالية لمن يملك معلومات عن هذا الغموض قبل أن يتبدد.
الصورة في مجملها تطرح سؤالًا يتخطى الأبعاد القانونية والتقنية إلى صميم السياسة والأخلاق العامة: هل المعلومة المتعلقة بقرارات تمسّ الحرب والسلام والأمن القومي حق عام لا يجوز توظيفه لتحقيق مكاسب خاصة، أم صارت سلعة في سوق مفتوح لمن يجلس قرب مركز القرار؟ وحين يملك المسؤول الحكومي معرفة مسبقة بعملية عسكرية أو قرار سياسي، وحين يُتاح له تحويل هذه المعرفة إلى مكاسب مالية عبر منصة مجهولة الهوية تعمل في فضاء رقابي هش، فإن الحرب نفسها تتحوّل إلى ورقة رابحة في يد من يعرف قبل غيره متى ستبدأ ومتى ستنتهي.
وشركة «Truth Predict» التي تبنيها عائلة ترامب على منصة «تروث سوشيال» تختزل المشهد في صورته الأكثر فجاجة: الرئيس يصنع الغموض، وابنه تستعين به المنصات التي تراهن على هذا الغموض مستشارًا وموجّهًا، والعائلة في المحصلة تبني منصتها الخاصة لتستفيد من كل حلقة في هذه السلسلة.
غير أن الأثر الأعمق لهذه المنصات يمتد إلى ما وراء الإشكاليات القانونية المتعلقة بالتسريبات وتضارب المصالح، ليمسّ البنية المعرفية والأخلاقية التي يُعالج من خلالها الإنسان الأحداث الكبرى. تحويل الحرب وكلّ شيء آخر إلى سوق للتنبؤ ينطوي على آلية اختزال كارثية: الحدث الإنساني يُقلَّص إلى احتمال قابل للتسعير، والضحية تتلاشى خلف معادلة ربح وخسارة، والمصيبة تُعاد صياغتها في لغة الفرصة. والأثر التالي لهذه الآلية أن المراهنة تُنشئ في صاحبها مصلحة مالية مباشرة في وقوع الحدث المراهَن عليه؛ فمن وضع رهانه على اندلاع حرب يحمل، بصورة موضوعية، دافعًا للتمني بوقوعها.
هذا التحوّل في بنية الدوافع هو النتيجة المنطقية الحتمية لمنظومة تُفرغ الأحداث الإنسانية الكبرى من ثقلها الأخلاقي وتُعيد صياغتها في لغة الاحتمالات والعوائد. بدأ هذا الموضوع بمجفّف شعر بجانب محطة طقس فرنسية. والمبدأ واحد، من يتحكّم بمصدر المعلومة يتحكّم بالربح. الفارق أن الرجل الفرنسي يُحاكَم، ومن يراهن على الحروب يُستشار.
منذ 3 أيام


