دخل آندي بيرنهام، رئيس بلدية مانشستر الكبرى السابق، رسمياً إلى مقر الحكومة البريطانية الاثنين الماضي، ليصبح سابع رئيس وزراء تشهده بريطانيا خلال عقد واحد فقط، خلفاً لكير ستارمر الذي استقال بعد ضغوط متزايدة من داخل حزب العمال.
وبينما احتفل بيرنهام بتوليه المنصب، يقف أمامه ملف اقتصادي بالغ التعقيد يهدد بأن يكون الاختبار الحقيقي لولايته، فيما تطل على ساكن 10 داوننغ ستريت العديد من التحديات التي تنتظر قرارات جدية وسط تحديات جيوسياسة تلقي بآثارها على القارة العجوز بشكل عام وعلى بريطانيا بشكل خاص.
تعهدات الخطاب الأول
وفي خطابه الأول يوم الإثنين 20 يوليو/تموز، تعهد رئيس الوزراء البريطاني بإنهاء حالة عدم الاستقرار السياسي التي تعيشها المملكة المتحدة منذ سنوات، مؤكداً أنه سيطلق نموذجاً اقتصادياً جديداً يعيد رسم ملامح البلاد.
وقال بيرنام: "أدرك تماماً أنني الشخص السادس الذي يسلك هذا الشارع خلال السنوات العشر الماضية، كرئيس سابع للوزراء منذ عام 2016"، مضيفاً أن هذه اللحظة ستكون نقطة تحول عبر تنفيذ أكبر إصلاحات تشهدها بريطانيا منذ أربعة عقود، وفق وكالة رويترز
وأعلن بيرنام أنه سيكشف لاحقاً عن خطة تمتد لعشر سنوات لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الثقة، مشيراً إلى أنه سيبدأ فوراً باتخاذ إجراءات لمعالجة أزمة غلاء المعيشة. ويأتي وصوله إلى "داونينغ ستريت" بعد مسيرة سياسية شهدت إخفاقين في الفوز بزعامة حزب العمال، قبل أن يتولى رئاسة بلدية مانشستر ويعود منها إلى وستمنستر.
أما سلفه كير ستارمر فقد استقال عقب تراجع شعبية حكومته وأداء ضعيف في الانتخابات المحلية، مؤكداً في خطابه الأخير دعمه الكامل لخلفه، ومعبّراً عن فخره بما حققه خلال أكثر من عامين في قيادة الحزب.
كيف يبدو مشهد الاقتصاد البريطاني؟
سجل الاقتصاد البريطاني نمواً سنوياً قدره 1.4% في عام 2025 وفق بيانات البنك الدولي، وهو معدل يعكس حالة التباطؤ المستمرة وسط ضغوط الدين العام والتضخم.
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 4 تريليونات دولار بالأسعار الجارية، ليحافظ الاقتصاد البريطاني على موقعه الخامس عالمياً.
ورغم النمو المحدود، ظل التضخم عند 3.9%، فيما بلغ معدل البطالة 4.7%، مع عدد سكان يقدر بـ 69.5 مليون نسمة.
ويتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً لا يتجاوز 0.8% في 2026 بعد 1.3% في 2025 و1% في 2024.
وتبرز تكاليف الطاقة المرتفعة كأحد أبرز التحديات، فيما تشير تقديرات البرلمان البريطاني إلى أن الظروف المواتية قد ترفع الإنتاج المحلي إلى 7.5 مليار برميل مكافئ نفطي، وفق شبكة CNBC.
توقعات 2026
يتوقع البنك الدولي أن يتراجع معدل النمو قليلاً إلى 1.26% في عام 2026، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بارتفاع الدين العام الذي يقترب من ثلاثة تريليونات جنيه إسترليني، وتكلفة خدمة الدين التي تصل إلى 110 مليارات جنيه سنوياً، أي ما يعادل 8% من إجمالي الإنفاق العام.
ما الدلالات الاقتصادية للأرقام؟
يعكس هذا التباطؤ أن بريطانيا تواجه صعوبة في تحقيق انتعاش قوي بعد الأزمات المتراكمة، بدءاً من الأزمة المالية العالمية مروراً بجائحة كوفيد-19 وصولاً إلى أزمة الطاقة والتضخم.
ويضع ذلك الحكومة الجديدة برئاسة آندي بيرنهام أمام معادلة صعبة بين ضبط الدين العام وتلبية مطالب الإنفاق الاجتماعي، وسط ترقب لموازنة الخريف التي قد تكشف عن تعديلات ضريبية تشمل البنوك وصناديق التقاعد.
ملامح تغييرات جديدة
وفي خطوة تدل على مسار بيرنهام القريب، يعتزم رئيس الوزراء البريطاني إلغاء خطة الحكومة السابقة لإطلاق نظام الهوية الرقمية، في إشارة إلى عزمه تركيز الموارد على قضايا المعيشة اليومية، وفق شبكة CNBC.
وقال المتحدث باسم بيرنهام: "كل الوقت والموارد التي كانت ستُصرف على مشروع الهوية الوطنية ستذهب بدلاً من ذلك إلى حيث الحاجة الأكبر، مثل المساعدة في تكلفة المعيشة".
وتُقدّر هيئة مسؤولية الميزانية البريطانية تكلفة المشروع بنحو 1.8 مليار جنيه إسترليني (2.4 مليار دولار) بين العامين الماليين 2026-2029.
وأوضح مكتب بيرنهام أن أولى خطواته ستكون التخلي عن خطة إلزام جميع الموظفين ببطاقة هوية رقمية، وهي مبادرة وُصفت بأنها "فشل" من قبل لجنة برلمانية متعددة الأحزاب.
وكان سلفه كير ستارمر قد تراجع عن جعل الهوية إلزامية في يناير الماضي بعد انتقادات واسعة.
ملفات النفط والمياه
رحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخطة بيرنهام لتسريع عمليات الاستكشاف في حقول النفط والغاز المرخصة في بحر الشمال، وكتب على منصة "تروث سوشيال" أن النفط هناك "لا يقدر بثمن"، مضيفاً أنه سيحول بريطانيا من "كارثة فقيرة" إلى "واحدة من أغنى دول العالم".
كما أشارت تقارير إلى أن الحكومة قد تضع شركات المياه المتعثرة مثل Thames Water تحت "إجراءات خاصة" لمعالجة أزماتها.
ورغم هذه الإجراءات العاجلة، فلا تزال العديد من الملفات الإقتصادية والسياسية تمثل تحدياُ لرئيس الحكومة الجديد، عل رأسها إخراج الاقتصاد من دوامة الركود الطويل.
1- اقتصاد راكد منذ عقدين
فقد ورث بيرنهام اقتصاداً لم يسجل نمواً يُذكر منذ نحو عشرين عاماً، مع ركود واضح في الإنتاجية وتآكل مستمر في الدخل الحقيقي للأسر البريطانية، وهو ما حوّل أزمة غلاء المعيشة إلى سمة شبه دائمة في حياة الملايين من المواطنين.
2- عبء الدين
ومن أبرز التحديات التي يواجهها رئيس الوزراء الجديد هو حجم الدين العام الذي يقترب من ثلاثة تريليونات جنيه إسترليني، إذ تنفق الحكومة البريطانية نحو 110 مليارات جنيه إسترليني سنوياً على فوائد الدين وحده، أي ما يعادل نحو ثمانية بالمئة من إجمالي الإنفاق العام، وفقاُ لتحليل The Global Statistics.
3- قيود القواعد المالية
وتعهد بيرنهام بالالتزام بالقواعد المالية التي وضعها حزب العمال، وأبرزها ضرورة تغطية الإنفاق الحكومي اليومي من الإيرادات الضريبية خلال ثلاث سنوات، بما يعني أن الاقتراض يقتصر على الاستثمار الرأسمالي طويل الأجل فقط.
كما التزم بعدم رفع ضريبة القيمة المضافة أو ضريبة الدخل أو مساهمات التأمين الوطني، وهو ما يضيّق الخيارات المتاحة أمامه لتمويل خطته الطموحة المعلنة تحت مسمى "مهمة العشر سنوات" لإعادة هيكلة الاقتصاد البريطاني.
: في أول خطاب له كرئيس لوزراء بريطانيا.. بيرنام يتعهد من داونينغ ستريت بإطلاق نموذج اقتصادي جديد
4- اختبار الثقة مع أسواق السندات
وشكّل موقف بيرنهام الداعي إلى تقليل تبعية الحكومة لأسواق السندات مصدر قلق للمستثمرين خلال الأشهر الماضية، إذ حذّرت وزيرة المالية السابقة راشيل ريفز من أن نهجه قد يقود بريطانيا إلى مسار شبيه بأزمة ليز تراس التي هزّت الأسواق البريطانية عام 2022.
وقد سعى بيرنهام إلى طمأنة المستثمرين بالتأكيد على أن استعادة السيطرة العامة على قطاعات أساسية مثل المياه والإسكان والطاقة من شأنها أن تخفض التكاليف طويلة الأجل للدولة، لا أن ترفعها، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.
رد فعل الأسواق
ورغم هذه المخاوف، بدت ردة فعل الأسواق فور توليه المنصب أقرب إلى "اللامبالاة" وفق وصف محلل في بنك آي إن جي، حيث بقيت علاوة المخاطرة في سوق السندات محدودة، مع توقعات بأن يلتزم بيرنهام بحذر خلال العام الحالي، وسط ترقب لموازنة الخريف المقبلة التي قد تكشف حجم التعديلات الضريبية المرتقبة، والتي يُتوقع أن تشمل مجالات متعددة من البنوك إلى صناديق التقاعد، وفق تحليل لمركز ING Think.
وقال كبير الاقتصاديين للأسواق المتقدمة في بنك "آي إن جي" James Smith إن "علاوة المخاطر في أسواق السندات تبدو محتواة، ومعظم المستثمرين لا يتوقعون أن يهز بيرنهام السفينة هذا العام رغم القلق بشأن المسار المالي لاحقاً"، وفق CNBC.
5- ضغوط سياسية وخارجية إضافية
ويواجه بيرنهام أيضاً تراجعاً حاداً في شعبية حزب العمال الذي يتخلف في استطلاعات الرأي عن حزب "Reform UK" اليميني منذ أكثر من عام ونصف، فضلاً عن مطالبات من زعيم "ريفورم" نايجل فاراج بإجراء انتخابات عامة فورية.
وعلى الصعيد الدولي، لم يسلم من انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصف بريطانيا، بحسب ما أوردته شبكة CNBC، بأنها "دولة منكوبة بالفقر"، في تعليق زاد من حساسية المشهد الاقتصادي البريطاني على الساحة الدولية.
شبح الانتخابات المبكرة
وعل كل حال، يدخل آندي بيرنهام إلى داونينغ ستريت وهو يحمل شعارات طموحة عن اللامركزية الاقتصادية ودعم المناطق خارج لندن، مستنداً إلى تجربته في إدارة مانشستر.
غير أن اختباره الحقيقي سيكون في قدرته على الموازنة بين وعود الإصلاح الجذري والقيود المالية الصارمة، وسط اقتصاد متعثر النمو، وأسواق مترقبة، وحزب منقسم، ومعارضة تتحين الفرصة للمطالبة بانتخابات مبكرة.
منذ 6 ساعات


