في قرية أبو الشقوق التابعة لمركز كفر صقر بمحافظة الشرقية، لا تزال أجواء الحزن تخيّم على الأهالي بعد رحيل الشاب «علي محمد علي حفني»، الذي تحولت قصته من نموذج لشاب مكافح استطاع بناء اسم مهني في مجال تجهيز عيادات الأسنان، إلى مأساة إنسانية تركت خلفه أسرة مكلومة وديونًا وأعباء مالية ثقيلة.
بدأ «علي حفني» مسيرته المهنية موظفًا بالإدارة الصحية بكفر صقر كفني صيانة، قبل أن يتجه منذ عام 2019، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، إلى العمل في مجال تجهيز عيادات الأسنان وتوريد الأجهزة والمعدات الطبية للأطباء، بهدف تحسين دخله ومساندة أسرته البسيطة.
ومع مرور الوقت، نجح في بناء سمعة طيبة بين أطباء الأسنان بفضل التزامه في التنفيذ، والحرص على تسليم الأجهزة في مواعيدها، إلى جانب تقديم خدمات الصيانة والمتابعة، ما جعله محل ثقة لدى عدد كبير من الأطباء.
وبحسب مقربين منه، توسع نشاطه بشكل كبير خلال سنوات قليلة، حتى تمكن من تأسيس شركة متخصصة في توريد وتجهيز عيادات الأسنان، وقام بتنفيذ مئات المشروعات، ويُقدَّر أنه جهّز ما يزيد على 600 عيادة أسنان في مختلف محافظات الجمهورية.
كما تزوج قبل ثلاث سنوات، ورُزق بطفله الأول «إسلام» الذي يبلغ من العمر عامين، وكانت زوجته تنتظر مولودًا جديدًا، إلى جانب مساهمته في تجهيز إحدى شقيقاته للزواج، واعتماده الأساسي على دخله في إعالة أسرته.
لكن هذا التوسع صاحبه ضغط مالي متزايد، حيث لجأ إلى العمل بنظام الآجل في شراء الأجهزة والمعدات الطبية لتلبية الطلبات المتزايدة من الأطباء، ما أدى مع الوقت إلى تراكم الالتزامات والديون نتيجة ارتفاع الأسعار وتأخر بعض التعاقدات، ودخول النشاط في دائرة ضغوط مالية متصاعدة.
وبحسب روايات مقربين، وجد نفسه بين التزامات تجاه شركات التوريد من جهة، ومستحقات لدى عدد من الأطباء من جهة أخرى، وصلت إلى نحو 3.5 إلى 4 ملايين جنيه، في مقابل ديون عليه لصالح شركات التوريد تقدر بنحو 7 ملايين جنيه.
ومع تفاقم الأزمة، تصاعدت شكاوى ومطالبات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات الأطباء، وتداول البعض اسمه وصورته، ما زاد من الضغوط النفسية عليه، رغم تأكيده المتكرر أنه لا ينوي الهروب أو التهرب من أي التزام، وأنه كان يسعى لتسوية جميع الحقوق.
وقال الدكتور أحمد الديدموني، طبيب الأسنان وأحد أصدقاء الراحل في تصريحات خاصة لـ «الوفد»، إن علي كان دائم التأكيد على أنه لم يقصد إلحاق الضرر بأي شخص، وكان يردد أنه لو كان ينوي الهروب لفعل ذلك، لكنه كان حريصًا على سداد كل الالتزامات قدر استطاعته.
وأضاف أنه مرّ خلال الفترة الأخيرة بحالة من الضغط النفسي الشديد نتيجة تراكم الديون وكثرة المطالبات، رغم محاولاته المستمرة لإيجاد حلول وتسويات.
وأضاف أن الراحل كان يمر في أيامه الأخيرة بحالة من الإرهاق النفسي الشديد، وسط ضغوط متزايدة، حيث كان يطلب من المقربين الدعاء والمسامحة، مؤكدًا أنه لم يكن يقصد الإضرار بأي طرف، وأنه كان يسعى بكل طاقته لتسوية أوضاعه المالية.
كما أشار إلى أنه كان يؤكد مرارًا أنه لو أُتيح له مزيد من الوقت لعدة أشهر فقط، لكان قادرًا على سداد جزء كبير من التزاماته، مستندًا إلى تعاقدات ومشروعات كانت قيد التنفيذ أو التحصيل.
ونوه إلى وجود مطالبات مالية من عدد من أطباء الأسنان، من بينهم أطباء شباب حديثو التخرج، من بينهم طبيبة شابة يتيمة الأب والأم ساهمت في جمع نحو 300 ألف جنيه لتجهيز عيادتها، إلى جانب طبيب شاب آخر حديث التخرج قام باستخدام مكافأة نهاية خدمة والده بعد المعاش في تمويل تأسيس عيادته، قبل أن يواجه بدوره مطالبات باسترداد مستحقاته.
وتفاوتت هذه المطالبات في قيمتها بين أطراف مختلفة، في إطار تعاملات مهنية متعددة ارتبطت بنشاط الراحل في تجهيز عيادات الأسنان.
وبحسب المقربين، فإن إجمالي الالتزامات المتداولة بين الديون والمستحقات المختلفة بلغت 7 ملايين جنيه، بين ما هو مستحق له لدى الغير، وما عليه من التزامات لصالح شركات وموردين، وهو ما وضعه تحت ضغط مالي ونفسي شديد خلال الفترة الأخيرة.
وتشير الروايات إلى أن بعض شركات التوريد أبدت مواقف إنسانية بعد وفاته، حيث جرى الحديث عن تنازلات جزئية عن مستحقات تُقدّر بنحو 3 ملايين جنيه، في محاولة للتخفيف عن أسرته، بينما لا تزال هناك التزامات قائمة لدى أطراف أخرى.
وفي الأيام الأخيرة، تزايدت الضغوط النفسية والاجتماعية عليه، وسط محاولات من المقربين لاحتوائه، إلا أن الظروف كانت قد وصلت إلى مرحلة من التعقيد الشديد، وفق ما يرويه أصدقاؤه.
واليوم، تعيش أسرته الصغيرة واقعًا بالغ الصعوبة، حيث ترك وراءه طفلًا صغيرًا «إسلام»، وزوجة حامل، ووالدين فقدوا عائلهم الأساسي، إلى جانب ملف مالي وإنساني معقد لا يزال محل محاولات تسوية.
وفي ظل هذه الظروف، يناشد أصدقاء الراحل وأهالي قريته وأسرته أهل الخير ورجال الأعمال ومؤسسات المجتمع المدني عبر «منصة الوفد الإعلامية» النظر بعين الرحمة إلى الأسرة، ودعمها في تخفيف الأعباء المعيشية، إلى جانب السعي لتسوية الالتزامات العالقة بشكل قانوني وإنساني يحفظ حقوق جميع الأطراف.
وتبقى قصة علي حفني نموذجًا مأساويًا لشاب بدأ حياته بالكفاح والطموح، ونجح في بناء اسم مهني في مجال تجهيز عيادات الأسنان، قبل أن تنتهي رحلته تحت وطأة أزمات مالية وضغوط نفسية تركت أثرًا عميقًا في أسرته ومحيطه.
منذ 3 ساعات


