ملخص لم يكن توفيق الحكيم روائياً بالمعنى الشعبي للكلمة، بل كان مفكراً بالمعنى الفلسفي، وهو حتى وإن كان قد جعل لبطل "عصفور من الشرق" نفس اسمه المستعار محسن الذي أطلقه على بطل أولى رواياته "عودة الروح"، التي تحمل بدورها حصة ما من التخييل الذاتي أو حتى السيرة الذاتية، مما يوحي أننا هنا أمام نفس "بطل" الرواية الأولى، فإن الأمر في جوهره يبدو مختلفاً في التصور والغاية
نعرف أن رواية توفيق الحكيم "عصفور من الشرق"، التي تكاد تكون جزءاً من سيرته الذاتية وصورة للمرحلة الفرنسية من حياته، تشغل حيزاً واسعاً من كتابات الباحث الراحل جورج طرابيشي، سواء كان ذلك في كتابه العمدة عن الحكيم "لعبة الحلم والواقع"، أم في عدد من دراساته الأخرى، ولا سيما منها تلك التي جمعها في واحد من أهم كتبه "شرق وغرب رجولة وأنوثة"، إذ درس بتحليل عميق فكرة ألحت دائماً على كتاب روائيين عرب تتعلق بأن الذكورة للشرق والأنوثة للغرب.
ونعرف طبعاً أن طرابيشي في معرض تحليله الثاقب هذا، يبدو اليوم بعيداً من إنصاف الحكيم وعصفوره الشرقي، إذ وضعه في خانة واحدة مع روايات عربية، مميزة أو أقل تميزاً، كانت تلك الفكرة محور تحركها وبالتالي محور النقد المميز الذي اشتغل عليه طرابيشي وهوجم كثيراً.
فالحقيقة أن الهدف الذي كتب الحكيم تلك الرواية للتعبير عنه، حتى وإن كان لا يبعد في جوهره كثيراً من الهدف الذي من أجله كتبت روايات مثل "موسم الهجرة إلى الشمال" للسوداني الطيب صالح و"الحي اللاتيني" للبناني سهيل إدريس، بل ربما أيضاً "البيضاء" للمصري يوسف إدريس حيث دائماً ما تكون الحبكة، حتى وإن انتسبت إلى ما نسميه اليوم "تخييل الذات"، متمحورة من حول علاقة ما بين الذكر العربي والأنثى الأجنبية. فلدى الحكيم لم تكن مسألة العلاقة بين الذكر والأنثى على تلك الطريقة هدفه من الكتابة، حتى وإن كانت ثمة في خلفية الحكاية علاقة بين رجل عربي وامرأة فرنسية.
المسألة الحضارية
ففي النهاية لم يكن توفيق الحكيم روائياً بالمعنى الشعبي للكلمة، بل كان مفكراً بالمعنى الفلسفي، وهو حتى وإن كان قد جعل لبطل "عصفور من الشرق" نفس اسمه المستعار محسن الذي أطلقه على بطل أولى رواياته "عودة الروح"، التي تحمل بدورها حصة ما من التخييل الذاتي أو حتى السيرة الذاتية، مما يوحي أننا هنا أمام نفس "بطل" الرواية الأولى، فإن الأمر في جوهره يبدو مختلفاً في التصور والغاية، وهذا ما سيتوضح في الأسطر التالية على أية حال.
فكتاب "عصفور من الشرق" يعتبر عادة واحداً من أهم الأعمال الفكرية والأدبية في الأدب العربي الحديث، لأنه لا يقدم مجرد حكاية عن شاب عربي يعيش في أوروبا، بل يطرح عبر تجربة شخصية سؤالاً حضارياً واسعاً: ما العلاقة الممكنة بين الشرق والغرب؟ وهل يستطيع الإنسان الشرقي أن يعيش في الحضارة الغربية من دون أن يفقد روحه، هذا إذا سلمنا بأنه عاجز أصلاً عن الانتماء الكلي إليها؟
ويعرف الذين قرأوا هذا الكتاب كما المطلعون على سيرة توفيق الحكيم أنه في هذا الكتاب الذي نشره في عام 1938 قد استند إلى تجربته الشخصية حين أقام في باريس في عشرينيات القرن الـ20 ليدرس القانون واحتك بالحياة الثقافية الفرنسية.
بيد أن هذا النص - الروائي على رغم كل شيء - لا يقدم سيرة ذاتية مباشرة، بل يحول التجربة إلى تأمل فلسفي حول الإنسان والحضارة ما يجعل من الظلم، كما أشرنا، إدراجه في خانة بحث قضية الرجولة والأنوثة التي كانت عزيزة على قلب جورج طرابيشي.
محسن في عالم مختلف
تدور "الرواية" إذاً، من حول شخصية محسن، الشاب المصري الذي قصد باريس للدراسة، وهناك يلتقي عالماً مختلفاً كل الاختلاف عن عالمنا الشرقي، ما يلتقيه هناك هو عالم السرعة والمادة والعقلية. وهو يعيش كما يقتضي الأمر علاقة عاطفية مع فتاة فرنسية تدعى سوزي، لكن العلاقة تنتهي بالفشل لتتحول القصة العاطفية نفسها إلى مدخل لاكتشاف التباعد العميق بين روح الشرق وحضارة الغرب.
ولعل ما يلفت النظر في المقام الأول هنا هو أن "عصفور من الشرق" ليست مبنية على أحداث كثيرة، بل على تأملات وحوارات طويلة، وخصوصاً مع شخصية ثالثة وأساسية هي شخصية الروسي إيفان الذي يصبح صديقاً مقرباً من بطلنا في تلك الغربة، ومن خلال تلك الحوارات يطرح الحكيم أفكاره حول الحضارة الأوروبية والروح الشرقية ومستقبل الإنسان في عالم تزداد ماديته.
إذاً فالفكرة الأساسية في هذا العمل الأدبي ليست سوى المقارنة العميقة بين حضارتين، لكن الحكيم لا يقدم فكرته هذه بصورة بسيطة أو دوغمائية، بل من خلال تلك التجربة النفسية التي يعيشها بطله محسن.
ولعل أول الأبعاد المهمة هنا تتمثل في كيف أن الحكيم ينظر إلى الغرب بكونه يمثل حضارة العقل والتنظيم والمادة، ففي باريس يكتشف محسن مجتمعاً فعالاً، وسريع الحركة، ومنظم الحياة. كل شيء هنا يسير، وفق قوانين واضحة: العمل، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الحب.
لكن هذه الحضارة، في نظر الحكيم، تعاني نقصاً روحياً، فهي تملك العلم والتقنية لكنها فقدت شيئاً من العمق الإنساني. ولذلك يظهر الأوروبيون في الكتاب أحياناً وكانهم يعيشون حياة آلية، وفي المقابل يرمز الشرق، ودائماً طبعاً في نظر الحكيم إلى الروح والتأمل والبعد الإنساني. صحيح أن الإنسان الشرقي كما يصوره الحكيم، أقل انضباطاً في الحياة العملية، لكنه بالتأكيد أكثر اتصالاً بالقيم الروحية.
مأساة محسن
غير أن الحكيم لا يمجد الشرق هنا بصورة مطلقة، فهو يدرك أيضاً تخلفه العلمي والاجتماعي، وهنا بالتحديد تكمن مأساة محسن، فهو ينتمي إلى حضارة تملك الروح لكنها تفتقر إلى القوة المادية، بينما يعيش في حضارة تملك القوة لكنها تفتقر إلى الروح.
ومن هنا قد يكون علينا أن نلاحظ أن العلاقة بين محسن وسوزي ليست مجرد قصة عاطفية بل هي، وهنا بالذات، رمز لعلاقة ما بين الشرق والغرب. فمحسن يعيش الحب باعتباره تجربة روحية عميقة، بينما تتعامل سوزي معه بطريقة أكثر بساطة وواقعية، بالنسبة إليها الحب جزء من الحياة اليومية، أما بالنسبة إليه فالحب تجربة وجودية كاملة.
وبهذا المعنى تصبح قصة الحب تمثيلاً رمزياً لصعوبة التفاهم بين الحضارتين، لا بين الرجولة والأنوثة بالطبع، إذ كل طرف ينظر إلى العالم من منظومة قيم مختلفة، وهنا تبرز شخصية إيفان وأهميتها في الرواية. فإيفان يؤدي دور المفكر الحكيم داخل النص، فهو الذي سيناقش محسن في قضايا الحضارة والروح والمجتمع، إيفان ينتقد الحضارة الغربية من داخلها ويرى أنها قد تحولت إلى حضارة مادية خالية من الروح، لكنه في الوقت نفسه لا يرى في الشرق نموذجاً جاهزاً للحل.
ومن خلال هذه الشخصية يطرح الكاتب فكرة مهمة فحواها أن أزمة الإنسان الحديث ليست أزمة الشرق أو الغرب وحدهما، بل أزمة حضارة إنسانية فقدت التوازن بين المادة والروح.
وانطلاقاً من هنا قد يكون علينا أن نلاحظ أخيراً أن اختيار باريس كمكان تدور فيه الأحداث لا يمكن أن يكون صدفة، بل لكونها رمزاً للحضارة الغربية الحديثة. ومن هنا يقدم الحكيم هذه المدينة في صورة مزدوجة فهي من ناحية جميلة ومليئة بالحياة، لكنها أيضاً قاسية على الإنسان الذي يأتيها من الخارج من دون أن يكون منتمياً إليها، وهذا ما يجعل محسن يشعر فيها بتلك الغربة التي عاشها معه عدد كبير من المثقفين العرب الذين ذهبوا إلى أوروبا في تلك الحقبة.
منذ 9 ساعات


